ابن الجوزي
346
صيد الخاطر
308 - أخبار عن بعض من ادعوا النبوة الحق لا يشتبه بباطل . انما يموه الباطل عند من لا فهم له . وهذا في حق من يدعي النبوات ، وفي حق من يدعي الكرامات . أما النبوات فإنه قد ادعاها خلق كثير ظهرت قبائحهم ، وبانت فضائحهم . ومنها ما يوجبه خسة الهمة والتهتك في الشهوات ، والتهافت في الأقوال والافعال حتى افتضحوا . فمنهم الأسود العنسي ، ادعى النبوة ولقب نفسه ذا الحمارة لأنه كان يقول يأتيني ذو الحمار ، وكان أول أمره كاهنا يشعوذ فيظهر الأعاجيب . فخرج في أواخر حياة النبي صلّى اللّه عليه وسلم فكاتبته مذحج ونجران وأخرجوا عمرو بن حزم وخالد بن سعيد صاحبي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وصفا له اليمن ، وقاتل شهر بن باذام فقتله وتزوج بنته فأعانت على قتله فهلك في حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . وبان للعقلاء أنه كان يشعبذ . ومنهم مسيلمة ، ادعى النبوة وتسمى رحمان اليمامة لأنه كان يقول : الذي يأتيني رحمان . فآمن برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وادعى أنه قد أشرك معه . فالعجب أنه يؤمن برسول ويقول إنه كذاب . ثم جاء بقرآن يضحك الناس ، مثل قوله : يا ضفدع بنت ضفدعين نقّي ما تنقين ، أعلاك في الماء وأسفلك في الطين ، ومن العجائب شاة سوداء تحلب لبنا أبيض . فانهتك ستره في هذه الفصاحة ثم مسح بيده على رأس صبي فذهب شعره ، وبصق في بئر فيبست ، وتزوج سجاح التي ادعت النبوة . فقالوا : لا بد لها من مهر . فقال : مهرها أني قد أسقطت عنكم صلاتي الفجر والعتمة « 1 » . وكانت سجاح هذه قد ادعت النبوة بعد موت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فاستجاب لها جماعة . فقالت : أعدوا الركاب ، واستعدوا للنهاب ، ثم اعبروا على الرباب ، فليس دونهم حجاب . فقاتلوهم . ثم قصدت اليمامة فهابها مسيلمة فراسلها وأهدى لها فحضرت عنده فقالت :
--> ( 1 ) أي العشاء .